
±±±عتيق الرب±±±

أحاط  بنا الأعداء من كل الجهات، العبرانيون من بني إسرائيل بقيادة ملكهم الطاغية  أخاب بن عمري وحلفاؤهم من الأدوميين والبدوان وقطاع الصحارى جيشوا جيوشهم وهاجمونا... التقاهم أبي الملك ميشع بن كموشيت في سهل دبون، فهزموه شر هزيمة، وقتلوا فرساننا وسبوا نساءنا ونهبوا أموالنا وأحرقوا القرى والضياع (1)$

هرب أبي وباقي الجند إلى عاصمة ملكنا "ديبون" وتحصنوا في قلعة المدينة، وكنت معه فتى غضاً في أول الرجولة، تبعنا العبرانيون والأدوميون ومن والاهم وضربوا الحصار على القلعة. استمر الحصار أمداً طويلاً، أكثر من ثلاثة أشهر ###ومنجنيقاتهم لا تهدأ ونيرانهم لا تنقطع###، وكان رجالنا صامدين على الأسوار قد جعلوا بينهم وبين الأعداء خندقاً، ويمطرون كل من اقترب منهم بوابـــل من النبل والزيت المغلي، وينزلون الكلاليب على دبابات العدو التي اقتحمت الخندق فيعرونها ثم يدلقون على من فيها براميل الزيت المغلي$ 

كان الرعب يدب في قلوب الأهالي والجنود على السواء، فقد كانوا يعرفون مقدار وحشية عدوهم، فما من قرية أو مدينة افتتحوها إلا وقتلوا رجالها وسبوا نساءها وأحرقوا ما بقي منها، ولهذا فقد استمات الأهالي في الدفاع عن الحصن، لكن الرعب ازداد حيـن أخذت تـنـقــص المــؤن والطعام إلى حد التلاشي$

 وشيئا فشيئا حلت المجاعة في المدينة، حتى لقد بدأ الناس بأكل لحم القطط والكلاب، وحين نفدت هذه أخذوا يأكلون القتلى من الجنود.. لقد كانت أياماً عصيبة، وفجأة وجد أبي نفسه مخيراً بين أن يموت الناس بالجوع وبين أن يموتوا بأيدي الطغاة الطامعين، ولم يعد من حديث بين الناس، العام منهم والخاص إلا عن إيجاد وسيلة للاستسلام بطريقة تحفظ لهم الحياة، حتى لو كانت حيـاة الذل والاسترقاق$

عقد أبي مجلس حربه في القاعة الملكية، كنت أنا على يمينه، والقائد عجلون قائد الجيش عن شماله، وكاهن بيت الرب المقدس ناحاش بن قيداي في مجلس الرب وخلفه الكهنة، بالإضافة إلى قادة الجيش ونواب الشعب ووجوه المملكة، وكانوا جميعاً عابسين، صامتين تلتمع في زوايا عيونهم الحيرة واليأس$ 

نظر أبي في عينيّ نظرة عميقة حرت فيها، ثم توجه بالحديث إلى رجال المملكة بصوته الجهوري الذي طالما خلب الأسماع والأبصار: أنا ميشع ابن كموشيت ملك مؤاب والعربا، ويـريـدنـي هـؤلاء أن أستسلم لعصابات العبرانيين والأدوميين، وأشار بيده إلى كهنة ربّ الأرباب كموش المتعالي$
 انتفض قائد الجيش عجلون بن قيداي: لن نستسلم أبداً أيها الكاهن، وإذا كان لابد من الموت فلنمت والسيوف في أيدينا $

علا الصراخ في القاعة بين مؤيد ومعارض، والكاهن صامت بوجهه الأصفر الكالح وقامته النحيلة والمسوح على جبته المزركشة بخيوط الذهب وصورة رب الأرباب كموش المتعال ترتسم على صولجانه الذي بيمينه، كان أغلب القادة يرفضون الاستسلام ويفضلون الموت، فجأة تنحنح الكاهن فصمت الجميع صمتا تاما كأن على رؤوسهم الطير$ 

رفع الكاهن صولجانه بإشارة المباركة للجميع ثم قال بصوته الأجش والحاسم: إنّ رب الأرباب كموش المتعالي قد غضب على مؤاب بخطاياها ورزاياها، وما عملته من معصية الرب حين لم تخلص في عبادته، وجحدت وصاياه وأنكرت واجباته، فأحلت ما حرم وحرمت ما حلل. لقد غضب كموش وكتب على مؤاب الدمار والهوان، فتذل جباههم لنعال الأعداء، وتداس أرضهم، وتسبى نساؤهم وذراريهم، ذلك بأنهم عصوا الرب وهم لا يعقلون$

 كانت كلماته كأنها النصال تنغرس في قلوب الرجال الذين تملكهم الرعب فلم يحيروا رداً سوى الصمت البائس، فيما تابع الكاهن: يا معشر مؤاب، إني(2) واحد منكم، عليه ما عليكم وله ما لكم، ولقد نزل بكم من غضب الرب ما ترون، وإني قد فكرت وأطلت التفكير فلم أجد لكم حلاً إلا إحدى ثلاث فخذوا أيها شئتم$

 فصاح الجميع: هات يا أبانا ما لديك، إنا لك إن شاء كموش من السامعين$
 فقال وهو ينظر في عيونهم واحداً واحداً: أما الأول فهو أن تتركوا دينكم ودين أبائكم وتتبعوا دين هؤلاء، فتتخذوا من ربهم إلهاً بدلاً من ربكم، فتأمنوا على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. فضجوا بالقول: كأنك يا أبانا تختبرنا، وحق كموش لا نرضى بغيره رباً، ولا غير حكمه حكماً، ولو فنينا عن آخرنا فهات الثانية$

فتبسم الكاهن: فإن أبيتم هذه، فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إليهم رجالاً مصلتين بالسيوف، ولم نترك وراءنا ثقلاً يهمنا أمره حتى تحكم الآلهة بيننا وبينهم، فإن نهلك، نهلك ولم نترك وراءنا شيئاً نخشى عليه، وإن نظهر فلعمري لنجدنّ النساء والأولاد$
فقالوا مستنكرين: نقتل هؤلاء الضعاف المساكين، فما خير العيش بعدهم. هات الثالثة يا أبانا$

قال: فإن أبيتم، فالرأي أن تستسلموا لهم وتنزلوا على حكمهـم، ثم فلتـفعل الآلهة ما تريد، فلم يحيروا رداً سوى الصمت البائس، إلا القائد عجلون الذي صرخ: إن حكمهم يا أبانا القتل والسبي والتشريد ووالله ما هذا برأي$ 

نظرت إلى أبي وهو جالس على العرش، كان الغضب واليأس يلتمعان في عينيه، رفع رأسه وتوجه بكلامه إلى الكاهن: أيها الأب، إني قد رأيت رؤيا حرت في أمرها، وأوصاني رب الأرباب بك لفك أسرارها$
فبان الاهتمام في عيني الكاهن: قصّ علينا رؤياك أيها الملك$ 
فقال أبي: إني رأيت الرب كموش وقد لبس لباس الحرب، قد نزل من علياء مجده وأخذ بناصيتي فرفعني إليه حتى كادت نفسي أن تزهق، ثم رماني، ثم عاد فرفعني من ناصيتي إلى عليائه ثم رماني، ثم عاد ورفعني من ناصيتي إلى عليائه ثم رماني. ثم صاح بي: عماد الدم .. عماد الدم، فرأيت فإذا ببسيطة حمراء قد فرشت تحتي وحملتني إليك$

ما كاد أبي أن ينتهي من قص رؤياه حتى تهللت أسارير الكاهن، وافترّ ثغره فصاح وقد كاد يتخلى عن وقاره: ابشري مؤاب، ابشروا يا أبناء مؤاب، ابشرن يا بنات مؤاب، لقد رحمكم رب الأرباب كموش العاشق المحب لعباده القاهر الجبار لأعدائه. فتهللت أسارير القوم، وانفرجت من بعد غم وجوههم وصاحوا بالكاهن: افصح يا أبانا وفسر$

 فقال الكاهن وهو لا يكاد يخفي فرحه: لقد رضي الرب على مؤاب وكتب على الملك تقديم قربان عظيم، محرقة خالصة لوجه الرب$ 

فصاح أبي وقد انبسط وانشرح: سأنحر في معبد الرب مائة من الإبل محرقة ليرضى. فاغتم الكـاهـن وصـاح بأبي مغضباً: أيها الملك ليس الرب براعي إبل ليرضى بإبلك، لقد أمرك بعماد الدم، وما أدراك ما عماد الدم.
فبهت أبي وقال حائراً: وما عماد الدم يا أبانا .؟!
 فأجاب الكاهن وهو ينظر نظرة مخترقة إلى عيني الملك: عماد الدم ابنك البكر هذا... وأشار إليّ: وقربانه دمه$
فبهت أبي وبهت القوم وكأنما الطير على قلوبهم ... ساد الصمت القاعة الشاسعة وتحولت كل العيون إليّ، عينا أبي الحائرتان المشفقتان، وعيون القادة ونواب الشعب الراجية المستبشرة، و...عينا الكاهن$$$ 

أحسست بعينيه تخترقاني، ثم غاب الجميع... غابوا، ولم يبق سوانا، أنا والكاهن.. وفجأة رأيته يتحول.. وجهه المعروق الكالح الذي كان يرعبني دائما تحول إلى وجه محب بشوش هادي يشع ببريق غريب مريح يدخل شغاف القلب، وهالة من نور تمتد من عمق السماء وتلبس جسده فإذا هو كائن من نور.. رفعني برؤوس أصابعه فارتفعت حتى وصلت عنان السماء، ومس بنظراته الحانية قلبي فابتسمت، وأحسستني خفيفا جدا، رقيقا جدا أطير في الملكوت، وكموش العاشق لعباده القاهر لأعدائه يحيط بنا بجناحيه الحانيين$ 

نهضت من مجلسي وحللت سيفي ثم ركعت أمام أبي، نظر في عيني، خلته يكاد يتفطر وقد تحجر جلد وجهه، صمت طويلاً ثم قال: يا بني، يرى الرب أني أذبحك$
قلت ثابتاً وسكون رباني يحيط بي من كل الجهات: يا أبتي افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الرب من الصابرين$
فضج القوم بالصراخ$$ 
قلت: يا أبت اعجل فما لمؤاب سواك من العالمين$

 نهض أبي ونهضت، سار وسرت وراءه حتى وصلنا الأسوار فارتقيناها، كان الوقت سحراً، والشمس تشرق من قرن ربها، صرخ أبي في جموع العبرانيين والأدوميين أسفل السور: كموش أعلى وأجلُّ. وردد فرساننا: أعلى وأجل. وصرخ العبرانيون: يهوه أبلى وأبر$ 

نصب سيدي الكاهن محرقة الرب فوق السور، ثم دلاني أبي على المذبح واستل خنجره من غمده ثم وضع حده على عنقي وصاح بالعبرانيين: فليخسأ الخاسئون، هذا ولدي قربـــاناً لكموش أهديه، وليعلم الذين ظلموا أي منقلب سينقلبون. ثم وضع الخنجر على حبل الوتين مني وهمّ بي، فأغمضت عيني وأسلمت أمري للرب، فإذا بصوت عظيم ينبثق من غبش السماء كأنه الرعد المزمجر يصيح: أي يا ميشع قد صدقت الرؤيا$

فتحت عينيّ فإذا برب الأرباب كموش المتعال بجلاله وعظمته، وقد لبس آلة حربه، يقود عربته ويمسك بيديه كبشاً عظيماً ما رأى العباد أضخم منه ولا أجمل وهو يصيح: إنا قد فديناه بذبح عظيم واعتقناه وآزرناه بنصرنا أبد الآبدين$

 ثم قدم الكبش بيديه المقـدسـتيـن إلـى أبـي وصاح آمراً: اذبحه ثم انثر دمه على أعدائك يقتلون بإذني، فما أن رأى العبرانيون ما رأوا، وسمع الأدوميون ما سمعوا، حتى ولــوا الأدبــار منـهـزمـيـــــن، تسبقهم أقدامهم وتقفز من بين صدورهم قلوبهم، هلعاً وفزعاً فيما تعالى صوت رجالنا وآل مؤاب بصيحـات النـصـر والتقديس للفادي الأعظم، والتفوا من حولي وهم يهتفون عتيق الرب .. عتيق الرب، فصرخت بهم وقد شعرت بين جنبيّ بقوة هائلة لم أعهدها من قبل: خلفهم لاتبقوا منهم أحداً، فما بقي أحد من أهل المدينة إلا وتبعني فلحقنا بالفلول نقتل من نقتل، ونسبي من نسبي، وكان ذاك اليوم يومي$ 

 في المساء ناداني أبي أمام جميع أهل المملكة الذين كانوا نشوى بالنصر، فأخذ بيدي ثم ارتقى على العرش، وصاح بأعلى صوته: هذا إبني وخليفتي قد باركه رب الأرباب، وفداه كموش المتعال، وأعتقه ثم أيده بنصره فهو المنصور بإذن الرب، واني أعلنه قائداً عاماً على جيش مؤاب المظفر، وهو ملككم من بعدي، وآمره وآمركم أن يبكر منذ الغد على رأس الجيش ليطارد العبرانيين، ومن والاهم حتى يستأصل شأفتهم، ويدمـر بلادهم فوق رؤوسهم، فـلا يـبقي من الظالمين ديّاراً .. باركوا ولي عهدكم وقائدكم وادعوا له بنصر الرب الذي وعد، فضج القوم بالدعاء$

 في الصباح ###سرت على رأس الجيش### أتبع العبرانيين حتى وصلت نهر الأردن، فإذا بهم قد عسكروا خلف ضفة النهر الغربية، حيث سـمــعـــوا بـمـسيــري وأمرهم كهنتهم، وصناع بيت ربهم أن يمنعوني$ 

أمرت بالجيش أن ينزل فنزل، فعسكرت، وخندقت علي خندقاً وأمرت الجميع بالحذر والتعبئة، فبقيت بمحاذاتهم يومين، وليس بيننا سوى التراشق بالنبال، والنهر يعصمنا ويعصمهم وقد أحضر العبرانيون معهم تابوت ربهم، ونشروا راية حربهم التي يسمونها "درفش كابيان"(3) والتي يزعمون أنهم ما رفعوها في حرب قط إلا انتصروا، وكانت مصنوعة من جلود النمور عرض ثمانية أذرع في طول اثني عشر ذراعاً$ 

في اليوم الثالث بعث إلينا ملكهم أخاب ابن عمري إما إن تعبروا إلينا وندعكم والعبور، وإمـا نـعـبـر إليـكـم وتـدعـونـا حتى نعبر، فاستشرت أركان حربي فقالوا: لا تعبر يا مولاي ودعهم فليعبروا$
فقلت: لا وعاتقي، لا يكونون أجرأ على الموت منا، بل نعبر إليهم$ (4)

 فقال القائد عجلون: يا مولاي لقد نزلت منزلاً فيه مجال وملجأ ومرجع، من فرة إلى كرة فصحت فيه: أجبنت يا عجلون؟ فغضب عجلون وكان شجاعاً شهماً فصاح: لا وكموش أنا الأجرأ نفساً والأرفع حسباً ولكنها الحرب، ولا ينفع الحرب إلا الكميت المدبر$

 فصحت فيه وفيهم: هل هم أشجع منا ؟ قالوا: لا. قلت: هل ربهم أنصر من ربنا؟ قالوا: لا. قلت – فلماذا ندنس أرضنا بهم مرة أخرى بعد أن أكرمنا الرب بالنصر والمـؤازرة، اعبـروا فإني أنـا المنصور عتيق الرب، كما سماني الرب، عابر، وأرسلت إلى ملكهم: إني عابر إليكم فافسح لنا واعقد لنا جسراً$ 

فعقد ابن عمري الجـسـر، وابـتـعـد عن الضفة الأخرى فعبرنا إليهم، فإذا نحن في منزل ضيق المضطرد والمذهب لا يسمح بكثير كر ولا فر، وهو ديدن قومي في الحرب، فعرفت أن عجلون كان حكيماً، ثم تذكرت وعد ربــي فـعـبـيــت الـجـيـــــــش، وجعلت عجلون على الميمنة، وملكان على الميسرة وبقيت أنا في القلب، وقلت لقائد حرسي لا أوتين من خلفي فإني قد جعلت ملكهم نصب عيني، فإن قتلته انهزموا، فإذا شددت فشدوا$ 

ثم ناديت في الناس – ألا إن الحسد لا يحل إلاّ في قتال الأعداء، فيا أيها الناس تحاسدوا اليوم وتغايروا عـلـى الـقـتـال، وإن شعاركم اليوم يا كموش أمت أمت، وإني صائح بها ثلاثاً، فإذا سمعتم الأولى فالزموا مواقفكم واستعدوا، فإذا سمعتم الثانية فرددوا من خلفي واتموا عدتكم، فإذا سمعتم الثالثة فازحفوا جميعاً حتى تخالطوا عدوكم، فوحق كموش إني أراكم تسبونهم كما تسبى الغنم$ (5)

فناديت بالأولى، فذهب الرجال إلى كتائبهم، فناديت بالثانية فأتموا عدتهم وصرخت بالثالثة، فهجموا كالسباع الضواري على عدوهم فاقتتلنا نهارنا ذاك كله، وحولي حرسي الذين أمرتهم بحماية ظهري، أكرّ فيكرون معي ولا أستطيع لملكهم وصلاً$ 

في المساء جاءت مفاجأتهم لنا، فإذا نحن بإزاء فيل عظيم يسمونه بالأبيض، وخلفه عشرة فيلة في مثل ضخامته قد أرسلوها علينا، فنفرت خيولنا وولت هاربة، ودارت الدائرة على جنودي فولوا الأدبار هاربين، فمنهم من غرق بالنهر، ###ومنهم من دهسته الفيلة### ومنهم من تناهشته رماح القوم وسيوفهم$

صرخت في الناس: إليّ أيها الناس، أنا ابن ميشع لا كذب أنا ابن شياع اللهب، فأقبل علي حرسي، وثوابت الرجال من الشجعان، فحملنا عليهم حملة رجل واحد فأجليناهم عن الجسر، وعاد المنهزمون من رجالي حين رأوا ما نصنع وأخذوا بالقتال وأنا أرتجز:
يا نفس ألا تقتلي تموتي
هذا حمام الموت قد صليت(6)
وما تمنيت فقد أعطيت
إن تفعلي فعلهما هديت
ثم حملت وحمل الرجال فلم يصمد العبرانيون أمامنا أكثر من ساعة، ثم ولوا الأدبار فصحت أمت كموش.. أمت كموش، فصاح الرجال بصيحتي فأخذنا بناصية القوم حتى ألجأناهم إلى قلعة لهم تسمى قلعة الموت، فتحصنوا بها وصاح صائحهم يا قوم اليوم يوم الغيرة، إن هزمتهم تستردف النساء سبيات، وينكحن غير خطيبات فقاتلوا عن أحسابكم، وامنعوا نسائكم"$(7) 

فقاتلونا ###كأشد ما يكون القتال### من غير أن يفتح الرب علينا، فقام رجل من رجالي فجعل ينتفض ويرتعد كأنّ به حمى، وكانت عادته في الحرب أن تصيبه مثل هذه الحمى، فإذا ما أصابته لا يهدأ حتى يقعد عليه عشرة رجال ليثبتوه، فإذا ما أثبتوه انتفض تحتهم حتى يبول على سراويله(8)  فإذا بال ثار كما يثور الأسد الهصور، فلا تجد أشد منه بأساً ولا إقداماً$

 فلما بال وثب وصاح: يا معشر مؤاب ألقوني عليهم في القلعة فقال الناس: لا تفعل، فصاح: وحق كموش لتطرحني عليهم فيها فحملوه حتى قذفوه عليهم، فقاتل كأنه مائة رجل في رجل حتى فتح باب القلعة عليهم فدخلناها، فأعملنا فيهم السيف، وكان يوم جنوب له غبار، قتلنا فيه منهم أكثر من عشرة آلاف نفس، وأسـرنـا مـا تـبــقى من رجالهم ونسائهم وأطفالهم، فكانوا أكثر من عشرين ألفاً فبعثت بهم إلى أبي$

 وكان أبي قد أقسم قسماً لأن أضفره الله بالعبرانيين(9) ومن والاهم أن يطحن بدمائهم ويختبز من ذلك الطحين، ويأكل منه، فلما جيء إليه بالأسرى، حملهم إلى فم وادي السريج، ووضع في الوادي رحى ليطحن عليها، ثم أمر بالأسرى في فم الشعب فقتلهم بحد السيف عن بكرة أبيهم، ثم أجرى الماء في الوادي على الدم فطحن واختبز وأكل، ثم بنى في المكان معبداً لرب الأرباب كموش، وقفل عائداً إلى دبون، وأرسل لي أن أوغل في بلادهم حتى تصل إلى عاصمة ملكهم "اورسالم(10)" فإن أظفرك الرب بها فانقضها حجراً حجراً، ولا تبقي منهم أحداً، إلا من جاءك مستسلماً من غير قتال وهو صاغر، وعلى حكمك نازل$

فقرأت كتاب الملك على الناس وأمرتهم أن يتجهزوا، ثم سرنا من ليلتنا تلك، فما أصبحنا إلا ونحن على أبواب المدينة، فوجدناهم قد حصنوها أحسن تحصين، فرمموا أسوارها، وحملوا إليها عدة الحرب من نبل ونفط وعرّادات ومنجنيقات، وأخذوا يمطروننا بسهامهم وقذائفهم، فأمرت رجالي أن يتراجعوا عن مرمى نبلهم، وخيمت، وأمرت الرجال بالتخييم والنزول على تعبئة. فما إن جاء ظهر ذلك اليوم حتى أمرت رجال الدبابات أن يتقدموا بدباباتهم من الأسوار، كل دبابة مصنوعة من الخشب، ومغطاة بجلود الإبل، ومصفحة بالدروع ، وتحت كل دبابة خمسة رجال بأيديهم آلات النقب في الأسوار$

ونصبت على التلة المقابلة عشرين منجنيقاً، وأخذت أمطر أسوار المدينة وحراسها بالقذائف واللهب، فدبت النار في الأسوار، واقترب رجال الدبابات وأخذوا بالحفر في أسّ السور، إلا أن المدافعين عن السور دلوا خطاطيف حديدية كأنها العقب من على الأسوار، فكشفوا أبراج الدبابات ثم دلقوا الزيت المغلي والرحى على رؤوس الرجال فاحترقوا وأصيب معظمهم، وكانت تلك نكسة كبيرة$ 

في المساء أمرت الرجال أن يستريحوا، ونشرت الحراس(11) وأمرتهم باليقظة، وأرسلت إلى رجال المنجنيقات أن لا يتوقفوا عن الرمي طوال الليل، فكانت قذائفهم المغلفة بالنفط تفعل الأعاجيب في المدينة والمدافعين عنها، وكنت قد عزمت على اقتحام أسوار المدينة في الصباح مهما كلف الأمر$

ناديت الكاهن، وطلبت منه أن يقدم محرقة للرب باسمي ففعل، وعلى دخان المحرقة أنذرت لأن فتح الله عليّ المدينة أن لا أبقي من ساكنيها دياراً من أنس أو جان أو حيوان، سأقدمها جميعاً بما فيها قرباناً للرب لعله يرضى ويفتح علي، ثم رجعت إلى خيمتي ونمت وأنا أحلم بالنصر.. لا بد أن سينصرني الرب، ألم أكن ذبيحه الذي أعتق؟ هل أعتق الرب بشراً قبلي؟ الست ممن رضي الرب عنهم ورضوا عنه؟ ألم يسمني المنصور، سينصرني ربي وسيهدين، ولن يتخلى عني أبداً .. كان نومي وسناً كأن وسادتي الريح$

في الفجر دخل عليّ حاجبي حوشب الرملي، لمس كتفي برفق فصحوت فزعاً وأنا أهذي.. أنصر كموش .. كموش أنصر. فركع على ركبتيه، وأغمض عينيه مدنقاً رأسه بالأرض حتى استرددت وعيي فصحت به: ما جاء بك الآن يا وجه النحس$
 قال وهو ما يزال مدنّقاً رأسه بالأرض: عذيرك يا مولاي لكن بالباب ثلاثة رسل يصرون على مقابلتك$
 لمست كتفه برفق فنهض وهو يتابع: رسول من عند مولانا ملك الملوك ميشع بن كموشيت وبرفقته رسول روماني، وثالث من عند حليفنا ملك رماثا فوزان الزاغب$

ماذا يريد هؤلاء الآن؟ لابد أن الخطب جلل حتى يرسل أبي رسولاً. قلت للحاجب أدخل رسول مولانا الملك أولاً$
فقال سمعاً وطاعة، وخرج ثم عاد وبرفقته الأمين دقاق الديـري رسـول المـلك الخاص، والذي لا يرسله إلا للجلل من الأمور، ودخل برفقته جندي روماني بعدة حربية كاملة، انحنى دقاق وقبل طرف ردائي، أمّا الروماني فقد بقي واقفاً محدقاً بعينين باردتين تشيان بعدم الاكتراث .. ويحه هذا ألا يعرف أمام من يقف!

تكلم الأمين دقاق بصوت خفيض: يأمرك مولاي ملك الملوك ميشع بن كموشيت بفك الحصار عن المدينة، والعودة عن العبرانيين$ 
فصرخت من دون وعي غير مصدق: فك الحصار .. كيف ولماذا والمدينة بين يدي لقمة سائغة$
 فأجاب وهو ينظر للروماني بنظرة حاقدة: أوامر مولانا الملك. فصرخت هذا لن يكون سأقتحم المدينة غداً وأقدمها قرباناً لكموش$ 

فحدجني الروماني بنظرة نارية ثم فتح فمه(12)الكريه: هذه ليس أوامر أبيك وحده، هذه من مشيئة وزير ملك البر والبحر الذي لا تغيب عن ملكه الشمس، سلطان العالم وأمبراطور الأرض الأمير المعظم سقاورس قائد طلائع مولانا المعظم قائد جيوش الإمبراطورية الرومانية القائد بومبي، فإن لم تفعل جئناك بجيوش أولها عندك وآخرها في أول الأرض، ثم صمت$ 

نظرت إليه غير مصدق، اللعنة ماذا يريد الرومان منا الآن؟ ألن نتخلص من ربقتهم واستهتارهم بنا أبداً$ 

أشرت إليهما بالانصراف، فانصرفا والغيظ والقهر يكاد يقتلني، لماذا يطيع أبي الرومان، وأية سياسة لعينة هذه التي لا أفهمها؟ اللعنة على هذا القدر المغثي، اللعنة على هذا الزمن الكريه، أهكذا ببساطة وسهولة، وبعد أن أصبحوا فيها بين يدي! 

كان حاجبي ما يزال واقفاً فنظرت إليه كالغريق، ففهم الإشارة، فقال بصوته الهادئ الخفيض: لا تثقل على نفسك يا مولاي، لابد أن مولانا الملك لديه حكمة من وراء هذا الانسحاب وإلا لما أمرك، ومولانا لا يفعل أمراً إلا بعد مشورة الرب، فإن كانت هذه مشيئة كموش فلا راد لمشيئته، واعلم  يا سيدي أن رب الأربـاب كمـوش المتعال العاشق المحب لعباده والقاهر لأعدائه لن يفعل بعتيقه المنصور إلا كل خير$

 سرتني كلماته وخففت عني بعض ما بي فقلت مستسلماً: أهكذا ترى يا حوشب، فقال – هي مشيئة الرب يا مولاي فلا تبتئس، فمن فداك وأعتقك لا بد سيرعاك إلى أبد الدهر$

 نعم هي مشيئة الرب وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الرب فيه خيراً كثيراً، أمرت حوشب أن يعلن الأمر بين القادة والجنود ليستعدوا له. فقال: نعم يا مولاي، هناك أمر آخر ربما كانت فيه لقلب مولاي مسرة$
 قلت متلهفاً: ماذا؟؟ 
فقال – رسول فوزان ملك رماثا$
 قلت أدخله لنرى ماذا يريد هذا الآخر، فأدخله، فإذا بي برجل بلون الحنطة، أشعث أغبر، منهك القوى من شدة السفر، فركع وقبل الأرض بين يدي ثم رفع رأسه، وقال بلغة أهل رماثا المحببة إليّ:
يا عتاق صارت ديرتنا مراجي
وخيول الضد طفحتها مراجي
اجوا البدوان من كل كته مراجي
وابن كموش ما يخيب الرجا(13)

قلت: لا وكموش انهض وابشر، فنهض وهو يهتف: الغوث يا مولاي الغوث$
 قلت وقد رأفت لحاله: ابشر قد جاءك الغوث فأمسك عليك نفسك. فمد لي كتاباً فقرأته فإذا به من حليفنا ملك رماثا$
فزيت من حلو نوم الطراريح
نخيت عتيق الرب يا قرم العيال
جونا بالليل ما هو مصابيح
يذبحوا رجالنا ما بدهم حلال
عتاق يا عتاق تنخاك المطاميح
راح لحمنا ما بين هيش ودوالي(14)

دفعت بالكتاب إلى حاجبي، وقلت للرسول وقد عزمت على نصرته: امسك وانتظر فخرج، وبقي حاجبي . فقلت ما رأيك يا حوشب؟ فقال: يا مولاي الأمر واضح "أهل بيت الشعر ضد بيت الحجر(15)" والرأي رأيك. فقلت: أما وقد منعنا الرومان من أعدائنا العبرانيين فلا أقل من أن ننصر إخواننا وأهلنا. استدع لي القائد عجلون والقائد ملكان، فذهب يرسل خلفهما فإذا هما بالباب وقد جاءا كي يتأكدا من أمر الانسحاب$ 

دخلا معاً والقائد عجلون يصيح: أصحيح يا مولاي ما سمعناه؟ 
قلت: وما الذي سمعتموه$ 
فقال ملكان منفعلاً: إننا نفك الحصار عن العبرانيين$ 
فتراخيت في مقعدي: نعم صحيح$
 فصرخ عجلون: ولكن هذا مستحيل، مستحيل. لقد أصبحوا بين أسناننا يا مولاي فكيف يترك الليث فريسته؟ 
فقلت حازماً: هي أوامر مولانا الملك ميشع بأمر من رب الأرباب كموش المتعال. فسجدا حين سمعا اسم الرب الأعظم وقد أسقط في أيديهما. فتوجهت إلى ملكان: يا ملكان يأخذ الرب باليمنى ويعطي باليسرى، وقد جاءنا رسول من حليفنـا مـلـك رمـاثـا يطلب فيه نجدتنا ضد العربان الذين غزوا بلاده$ 

فقال ملكان وقد ردت الروح إلى عروقه: أحقاً يا مولاي. قلت: نعم. فقال عجلون محتجاً: ما لنا وللعربان يا مولاي، أبعد المدن والدول وغنائمها نهاجم العربان رعاة الإبل والشاة! فغضبت لقوله فصحت فيه: يا عجلون هؤلاء العربان قد عاثوا فساداً في الأرض، وهم اليوم عند ملك رماثا، وغداً على أبوابنا، فخفض صوته، وارتج عليه، فلم يحر جواباً فقلت له: دع عنك يا عجلون، وجهز الجيش وانسحب به إلى قواعده، أما أنت يا ملكان فجهز فرقة الحرس الخاص لأنني سأنطلق بهم بنفسي لنجدة ملك رماثا. فتهلل وجه ملكان فقال بحماس: نحن جاهزون يا مولاي، وتحت الطلب فانطلق بنا الآن إن أحببت$

فاعترض حوشب: يا مولاي انطلق بالجيش كله إن كان ولا بد، ولا تكشف عورتك، فابتسمت لحوشب: أتخاف عليّ يا حوشب ومعي درة تاج المملكة، وخيرة فرسانها!

وغضب ملكان من حوشب فصاح به: هؤلاء خمس مائة فارس، كل فارس بألف من أمثالك يا حوشب النساء والغلمان، فأراد حوشب الرد على الإهانة فأشرت إليهم جميعاً بالانصراف فانصرفوا كل لشأنه، وحوشب وملكان يتبادلان النظرات النارية$

بعد ساعة كنت على رأس الفرسان نحث الخطى فكأنما الخيول ريح تحمل صرصراً، فما أن حل الفجر حتى أصبحنا على تخوم مملكة رماثا، فأمرت الرجال بالتخييم ونزلت على تعبئة، ثم أرسلت الطلائع، وجعلت عليهم رسول ملك رماثا فرجعوا بعد سويعة، وخيولهم تنضح عرقاً، ثم دخل عليّ قائدهم فبادرته: أخبر ما وراءك؟ فقال يا مولاي رأيت العربان مثل مد السراب، وهم محاصرون المدينة ثم أنشد:
جردها الخريشا من البلقاء لطوباس(16)
ومن المخزوم للزرقاء لسيل وقاص
وحتى عبيد الغــور غــبــن الكــفــاف
كــل البــداوة من الـغـبـايـن نـحـاها

فقلت له – هل شعروا بكم؟ قال – لا يا مولاي، وهم مشغولون بالحرب والحصار. فقلت له تنطلق من فورك الآن إلى ملك رماثا فتبلغه أني مهاجم للقوم من مؤخرتهم، فإذا ما سمعوا بأصواتنا تعلو، فليفتح أبواب المدينة، وليهاجمهم من مقدمتهم فيصبحوا بين نارين، انطلق واعجل، فانطلق لا يلوي على شيء$ 

ثم قلت لملكان: هي فرصتنا، مر الرجال فلينزلوا عن الخيل وليكبوها كباً، ويخفضوا الصوت حتى ندنو منهم، حتى إذا ما اقتربنا مرمى سهمين فليركبوا وليحملوا حملة رجل واحد، لا ترحموا ولا تأخذكم بهم رأفة، لا أريد أن ينجو منهم أحد، فقال أمرك يا مولاي، وكانت عيناه ترقصان جذلاً، وهكذا هو إذا ما أحس برائحة الدم$

 نزل الرجال عن الخيل، فمشينا خفراً حتى باتت لنا مؤخرة القوم، فإذا بهم قد تركوا مؤخرتهم من غير حراسة، فقلت فرصتنا وقد لاحت اركبوا، فركبوا فأمرتهم لا تهجموا حتى تسمعوا بشعاري، فإذا ما هجمتم فليعلو صراخكم وزئيركم فذلك أرعب لعدوكم$ 

ثم مشينا خبباً حتى إذا ما أصبحنا على مرمى سهم منهم صحت: أمت كموش أمت، فزأروا كأنهم السباع الضواري: أمت كموش أمت. فما انتبه القوم إلا ونحن بين ظهورهم كأننا صخرة صماء حطت من جبل عال، فلم يقفوا لنا شيئاً، فأعملنا فيهم السيف فما نجا منهم إلا الشريد الحيران، ###وأمسكت بقائدهم فأحرقته حيا### أضحية للرب ولأجعله عبرة لمن يعتبر$ (17)$ 

وخرج ملك رماثا من حصنه فوجدنا نحصي الأسلاب، ونجهز على ما تبقى من الجرحى، فقال: عوفيت وشفيت وأشفيت، والله ما خذلك الرب حين سماك العتيق، فدعوته إلى فسطاطي فقال: لا وحق الآلهة لا تبيتن إلا في قصري وحصني، وهما لك مداس، وأنا إليك سامع$
 قلت له: فسطاطي إذاً وبعد ذلك نرى$


 فنزل معي في الفسطاط، وكان فسطاطاً مسباعاً تزينه صورة ###رب الأرباب كموش المتعال وهو يصارع التنين لوتان ذا الرؤوس السبعة###، فلما رأى الصورة ركع، وقال سبحان من أعتقك وبنصره قد أيدك. قلت: تعالى كموش فمالك لا تدين بدينه وأنت لنا حليف وابن عم. فقال – إنما قومي على دين البعليم ثم أنشد:
وهل أنا إلاّ من غزية إن غوت
غويت وإن ترشد غزية أرشد (18)

فقلت له أنت وما شئت، ولكن كموش ينصر من ينصره، ويخذل من يخذله فخافها مني، وأراد الرجوع إلى قلعته فأمسكته وهدأت من روعه: لا عليك يا ابن العم، إنما أنت مني وأنا منك.
فطابت نفسه، ثم قسمت الأسلاب فأعطيتها لجندي، ولم أقسم لأحد من جند رماثا، فسمعت لغطاً فقلت لفوزان غاضباً: أما كفتكم السلامة ورد الأعداء عن دياركم، وحق الرب إن لم تكفوا لأوشكن أن أملأها عليكم خيلاً ورجالاً، فقال مستجدياً: هدئ من روعك أيها الملك إنما هؤلاء غوغاء الناس، وأنا بهم كفيل، فهدأ الناس حين سمعوا ذلك$ 

ثم ناجاني ملك رماثا منفرداً فقال: أيها الملك إنما نحن وأنتم أبنــاء عمومة، وقد عزمت عليك بحق الرب أن تصاهرني. فقلت له: قد حلفت بعظيم إني لك لصهر. فأهداني ابنته البكر فاطيما بنت فوزان فتزوجتها، ودخلت عليها في ديارهم، فهالني مقدار حسنها وجمالها، وعرفـت مـاذا تعنـي النساء للرجال، وطاب لي المقام في بلاد الخضرة والهواء العليل، فأذنت للوفود المهنئة والشعراء فدخلوا وهنأوني بالنصر، وأطلق علي شاعرهم المعروف الدوقراني اسم "سلامة" وذلك لأنهم بي سلموا من شر أعدائهم ###فقال مادحا ومغنيا### على ربابته: 
ريت المنايا الي تيجي يا سلامة  
تحوم ع الأنذال دار بدار
ويطول عمرك يا حفيظ السلامة
وتدوم يا عز الأهل والجار
فقلت له عشت، وأجزته بألف دينار، وطابت نفسي بحسن القوم وجمال عروسي$$

كانت فاطيما كتلة من شرار ولهب ورغبة مستعرة لا تشبع، ###كسها الصغير كان شهيا جدا###، وشبقا جدا، مليئا بالندى والحبق، وحين كنت أرتشف  العسل من بين شفتيه الورديتين المنتفختين كنت أشعر بأني إله صغير$

عزمت أن أبني لي قصراً أفيء إليه في بلاد أصهاري، وأن أبني لكموش معبداً في هذه الديار عسى أن يذكر فيها اسمه، لكني ما كدت أشرع في البناء حتى جاءني رسول من أبي يطلبني فيه بالحال، حاولت أن أعرف من الرسول عن السبب فأخبرني أن الذي يريدني هو كاهن بيت الرب نيحاش ابن قيداي. قلت سمعا وطاعة ثم أمرت بالرحيل$
حملت عروسي معي وأمرت ملك رماثا أن يكمل بناء معبد الرب على أفضل صورة، فوعدني بذلك، وسافرت على عجل$

حين وصلت إلى مؤاب بعد يومين من السفر الحثيث، وجدت أبي ووجوه المملكة في انتظاري في بيت الرب$ 
لم أغير حتى ثياب السفر فذهبت تعلوني الغبرة... كان الجميع هناك، أعيان المملكة، ونواب الشعب، وقادة الجيش والكهنة وحتى الكثير من العامة... كان المكان غاصا بالناس، شعرت بأن أمرا جللا سيحدث$

أخذت مجلسي إلى يمين أبي، ولم يمهلنا الكاهن، فبدأ خطبته بجملة نارية من غير حتى تسمية، نظر في عيني ثم رفع صوته الناري صائحا: إن الرب سلام يحب السلام ولكن كيف سيمنحكم الرب السلام والأرض تمتلئ شروراً وفسقاً ومعصية للرب!

أخذتنا كلماته على حين غفلة، أية معاصي تلك التي يتكلم عنها... خفت وتوجست، وتابع الكاهن بصوت أقل حدة وهو يجيل النظر في الجميع: أيها الأخوة الأحباء، يا خدم الرب في هذه الديار (19) لقد أتيتكم أنا ناحاش بن قيداي، الحبر الأعظم، وكاهن بيت الرب ومستودع أسراره، بإذن من كموش المتعال في هذه الفترة العصيبة نذيراً من العناية الإلهية، وحامل رسالة ربانية إليكم بأن تستقيموا في عبادته، وتكونوا له وكلاء مخلصين، ويكون الرب عليكم وكيلاً. فإذا كان أحدكم منحرفاً أو مخادعاً، بعيداً عن العدل، مانعاً كلمة الرب على الأرض، فسأحاول بعون الرب أن أقوم اعوجاجه. كونوا رعاة حقيقيين، واحمـلـوا عصيكم بأيديكم ولا تغفلوا، واحرسوا القطيع الذي عهد إليكم (20) فأنتم ملح الأرض فكيف يكون في ملح الأرض دوداً لأنه إن وجد فيكم دوداً فأي خطايا، أو تقاعس عن أداء واجباتكم، فسيأمر الرب بالحال بطرحكم محتقرين في قرارة جهنم"$
كان الصمت التام يخيم على القاعة، والعيون كلها معلقة بالكاهن الذي تابع:
واعلموا إنما علي البلاغ وهل أنا إلا بشير نذير وقد قال الرب في كتابه العزيز:(21) فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين) وإذا ما عصيتم الرب في أوامره، فسيحكم عليكم باللعنة الأبدية، ويقصيكم من حضرته، ويحرمكم من محبته، فالذي يملّح عليه أن يكون حكيماً بعيد النظر، متواضعاً، عليماً محباً للسلام باحثاً عن الحقيقة، ونقياً وعادلاً ومنصفاً وطاهراً. إذ كيف يجعل الجاهل غيره عالماً، أو المتعالي غيره متواضعاً، والمدنس غيره طاهراً؟! إذا كان المرء يكره السلام فكيف يستطيع إحقاق السلام ؟ وإذا ما تلوثت يد امريء فكيف يستطيع تنظيف من تلوث بقذارة أخرى! فقد ورد في الكتاب(22) "إن كان أعمى يقود أعمى يسقط كلاهما في الحفرة" فـاصـلـحـوا أنفسكم عباد الرب ليرضى عنكم الرب ويبارككم ويكثركم، وأريدكم على الأخص أن تراعوا شؤون بيت الرب هذا، وبيوته في بقية أرجاء الأرض، وأن تحافظوا على شرائعه حتى لا تضرب هرطقات المتاجرة بالدين جذورها بينكم، واعلموا أن البائعين والشارين يلفحهم سوط الله (23) "لقد أعطيت البشارة وعلي إتمام الواجب: إن الدين الحق يجب أن يبحث عنه منذ الساعة وهو بينكم والفرصة لن تعود (24) والروح أوحى ولن يوحي مرة ثانية"$
أحسست انني المقصود دون سواي بكلام الكاهن الذي ارتفع صوته مزمجرا فجأة حتى هز أركان القاعة وهو ينظر إليّ بعينيه النافذتين$
 أيها الناس إنما أنا نذير بشير، فاعلموا بأن الرب قد أوحى إليّ بأن الأدوميين وهم شعب نجس حقير، قد هاجموا بيوت الرب التي في بلادهم، فداسوها بنعالهم، وهدموها على رؤوس عباد الرب، وقتلوهم وأسروهم وشردوهم. لقد غضب الرب على أدوم، ولذا وبصلاة خاشعة فإنني لا بل إن الرب وليس أنا يحثكم يا جنود كموش على أن تحضوا الرجال مهما كانت مراتبهم، فرساناً ومشاة، أغنياء وفقراء كي يسارعوا لسحق هذا الجنس الخسيس الكافر، ويأمركم أن تمدوا يد العون للمؤمنين بكموش في تلك الديار قبل فوات الأوان، إنني أخاطب الحاضرين وأعلم الغائبين، وأخصك أنت بالذكر يا من أعتقك الرب من الموت، وفداك وخلصك وأيدك بنصره، إن الرب يأمرك أن تقود الجيش وتبيد هؤلاء الكفرة وأن تعلي ذكر الرب وتبني في كل مدينة تفتحها معبداً للرب لكي يرضى عنك$

شعرت بالقشعريرة تجتاحني لهول ما أراده الرب لي، وكانت عينا الكاهن قد أصبحتا بلون الجمر وهو يصيح : يا خزينا وعارنا إذا ما انتصر جنس خسيس يتسم بهذه الحقارة والانحطاط، وتستعبده الشياطين والعفاريت على شعب قد اختاره الرب وأنعم عليه ويتباهى باسمه، أنتم الآن لستم المؤابيين، أنتم منذ الآن ستدعون الكموشيين، هكذا أسماكم الرب وهكذا اصطفاكم من بين جميع الأمم والشعوب لتكونوا شعبه المختار وسيفه البتار الذي بكم سيقيم في الأرض دينه، ويحفظ اسمه وذكره$

 تعالت أصوات الحماسة من بــيــــن الجـمع، وكـان أكـثر النــــاس حمـاسـاً أبــي، فقد كان لديه ذلك الحلم القديم بأن يحكم دولة كبرى تمتد من النهر إلى البحر، أما أنا فقد عمني سكون غريب فتذكرت عيني زوجتي فاطيما العاشقتين فتمنيت لو أنها الآن معي، إلا أن عيني الكاهن لم تمهلاني فقد صاح بي: قم من فورك وجهز الجيش وانطلق إلى ديار الأدوميين، وكما أوصاك الرب فافعل$

وأخذت الحماسة أبي فقام خطيباً: لقد أبلغكم الكاهن المقدس بإرادة الرب، وهل لنا إلا الخضوع لإرادته، قوموا من فوركم فتجهزوا وجهزوا الناس، لأنكم منذ الغد ماضون إلى جهاد الكفار الأدوميين، أما أنت يا بني، فإنك لم تعد لي ابناً منذ اليوم الذي فداك به الرب، أنت منذ ذلك اليوم ابن للرب، وإنه لشرف عظيم لي ولك، فاصدع بما أمرك به ربك، وقـُد جـيـش الخـلاص فإني لا أرى ســوى أنّ الــرب فاعل بك خيراُ$ 
ثم أشار إلى الجميع بالانصراف فذهبنا جميعاً، وكنت أشعر بأن عين الرب سترعاني دائماً$ 

في صبيحـــة اليوم التالي كنا نحث الخطى عبر وادي زارد(25) قاصدين إلى الأدوميين، وأنا على رأس جيش لم تسمع الأرض بمثله عدداً وعدّة، فلم أكن أمر بقرية أو مدينة إلا وانضم إليّ رجالها صدعاً بأمر الرب، لقد انتشر أمر الرب كالنار في الهشيم في كل البرية$ 

وكان الأدوميون قد سمعوا بمسيرنا فجهزوا جيوشهم وخرجوا للقائنا عند ثغر عصيون جابر (26) فعسكرت بالجيش شرقي برية فاران(27) التي جعلتها خلفي وبعثت بالطلائع، فعادوا وأخبروني بأن الأدوميين قد عسكروا عليهم الخنادق، وتحصنوا في الحصون التي في عصيون جابر ومنعوها، وأخذوا كامل عدتهم فقلت: هكذا يصير بمن جهر، ألا وإننا قد جهرنا والرب ناصرنا على أعدائنا$ 

ثم أمرت الرجال بالمسير فسرت حتى أتيت عصيون جابر، فأمرت بحط الأثقال وبضرب فسطاطي المسباع فضرب ونشرت راياتي على مد البصر ثم أمرت ملكان بأن ينشب القتال، فاقتتلنا وإياهم عشرة أيام متتالية، والحرب بيننا وبينهم سجال، وقد اعتصموا بخنادقهم وحصونهم لا يخرجون للقتال إلا إذا أرادوا الخروج (28)، فأمرت بقذفهم بالمنجنيقات فلم تفعل شيئاً، وطال الأمر وامتدت الحرب، فجمعت القادة وأركان الحرب واستشرتهم$ 

فتكلم حوشب وكان أكبرهم سناً فقال: يا مولاي(29) إن التحصن عليهم أشد من المطاولة علينا فدعهم ولا تحرجهم وطاولهم وقاتل من أتاك منهم فرددت عليه قوله: ليس هذا برأي، إن ربنا قد وعدنا وعداً، وأنا على يقين من إنجاز ربنا موعده لنا$ 

وتكلم ملكان فقال: يا مولاي ناهدهم (30) وكاثرهم ولا تخفهم، فردوا عليه رأيه وقالوا: إنما تناطح بنا الجدران، والجدران لهم أعوان علينا$ 

وتكلم القائد عجلون فقال: قد قالا ولم يصيبا ما أرادا، وأما أنا(31) فأرى أن نبعث اليهم خيلاً مؤدية، فيحدقوا بهم، ثم يرموا لينشبوا القتال ويحمشوهم، فإن فعلوا واختلطوا بهم، هربوا إلينا فإنا لم نهرب منهم طوال ما قاتلناهم وإنّا إن فعلنا ذلك طمعوا في هزيمتنا ولم يشــكــوا فـيـهــا، فعندها نخرج إليهم حتى يقضي الرب فينا وفيهم ما أحبّ$ 

فصحت هذا هو الرأي وحق كموش، نعم ما أشرت به يا عجلون. ثم أمرت ملكان بما أشار به القائد عجلون، فأخذ مجموعة من الفرسان وأنشب القتال حتى أزعجهم وآذاهم فخرج بعضهم إليه، فهرب من أمامهم فطاردوه فهرب، ثم هرب، ثم هرب، حتى ظنّوا أنها فرصتهم، فخرجوا عن بكرة أبيهم من خنادقهم وحصونهم، فلم يبق منهم أحد إلا من يقوم لهم على الأبواب والمداخل، وكنت قد أمرت بقية الجيش بالتراجع والهرب من أمامهم مقدار فرسخ، وترك الأثقال خلفهم إذا ما رأوا ملكان هارباً ففعلوا، والأدوميون خلفنا يقتلون ساقتنا وهم لا يظنون إلا النصر$ 

ثم توقفت وأمرت الفرسان بالكر عليهم والإحاطة بهم، فاقتتلنا وإياهم من عصر ذلك اليوم حتى مغيبه كأشد ما يكون القتال، حتى إذا ما أظل الليل انهزم الأدوميون فقتلت منهم مقتلة في ذلك اليوم ما قتلتها لأحد قط، حتى كانت الخيول تزحلق في الدم من كثرته، ثم أمرت برؤوس القتلى فقطعت، وعملت منها جبلاً، وأمرت الكاتب بإحصائها فإذا بها أكثر من مائة ألف رأس، فأمرت بها جميعاً أن تقدم محرقةً للرب، فأحرقت وتعالى دخانها حتى عمّ سائر مدن أدوم، فسمّوني الحرّاق، وأصابهم مني رعب ما بعده رعب، ثم جمعت الغنائم والأسلاب فخمستها، وبعثت بالخمس إلى بيت الرب ووزعت الباقي على المقاتلين، فكان حظ الفارس عشرين ألف درهم، وحظ الراجل عشرة آلاف$ 

ثم أمرت بدخول المدينة (32) في فجر اليوم التالي وأبحتها لرجالي بما فيها فدخلوها، وخلال عزف الأبواق والضجيج والدعاء للرب شن رجالي هجومهم على المدينة المستسلمة، ورفعوا راياتهم على حصونها وأسوارها، وهاجموا كل من صادفوه في طريقهم وهم يصيحون "ربنا أعطنا العون" فدب الرعب في قلوب الكفار الآدوميين من السكان ففروا في أزقة المدينة وشـــــوارعــهــــا الـــضـيـقـة، واستباح رجالي المدينة بما فيها فكان عدد من قطعت رؤوسهم من فجر ذلك اليوم حتى مغيبه أكثر من عشرة آلاف رأس وذلك فقط حول هيكل بيت إلههم "هدد" الذي يعبدون$

ومضوا يسلبون وينهبون ثم إن الرجال اكتشفوا ألاعيب الأدوميين، فقد كانوا يبلعون قطعهم الذهبية (33) ودنانيرهم على أمل النجاة، فقام جنودي ببقر بطون من ذبحوا ليستخرجوا من أمعائهم الدنانير الذهبية، ولنفس السبب جمع عبدة الرب المخلصين كومة عظيمة من الجثث، وأحرقوها رماداً لكي يسهل عليهم الحصول على كل هذا الذهب$

 بعد هذه ###المذبحة العظيمة###، والقربان الأكبر للرب أمرت الرجال بإحراق المدينة التي وقفت عقبة كأداء في وجه إرادة الرب، فأحرقوها (34) وأردت بذلك إرعاب كل الأمم والشعوب التي تضطهد عبدة كموش المتعال، ثم أقطعت قصور المدينة للفقراء من الكموشيين وكان في تلك القصور ما لا يحصى ولا يعد من الكتب فأمرت (35) بها فرميت في البحر، فأسود من كثرة الحبر الذي سال منها بعد أن كان محمراً من كثرة الدم. ثم بنيت معبداً للرب مكان بيت إلههم الذي هدمت، وقدمت فيه محرقة وقرباناً ما تبقى من الأسرى وكانوا أكثر من سبعة آلاف أسير قدمتهم جميعاً قرباناً لكموش لعله يرضى$

ثم استرحت على أطراف المدينة ثلاثة أيام، وأمرت الجيش بالرحيل وأنا عاقد العزم على نشر راية كموش في كافة أرجاء الأرض، فتركت عصيون جابر التي أسميتها العـقـبـة ثـم سـرت بـالـجـيـش عبر برية فازان وانا أقصد أرض الكنانة(36) لأنشر رايات الرب في أرض فرعونها الذي طغى وتجبر واستعبد الكموشيين في دياره$

سرنا ثلاثة أيام في البرية، فبينما نحن نسير، إذ نظرت ناحية المشرق، فإذا بسحابة من دخان قد طلعت من صدع الأرض وارتفعت ثم ارتفعت .. ثم ارتفعت، فوقفنا كالمشدوهين ننظر إلى هذه العجيبة، وإذا بالدخان قد تشكل غيمة عظيمة غطت وجه الأرض ثم سارت إلينا فما بقي أحد في المعسكر إلا وركع أرضاً، وأخذ يصلي للرب من الرعب الذي أصابه$

 وناديت أنا الكاهن، فإذا به يرتعد فرقاً، قلت ما هذا؟ فقال وهو يرتجف ألم تسمع؟ قلت : أسمع ماذا؟ قال فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ، يغشى الناس هذا عذاب عظيم. (37) فصحت به ماذا يعني هذا بحق السماء، فصاح وولول في الناس بأعلى صوته: يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى$ (38)

 فصحت ويحك ماذا تقول؟ فصاح بي إنها الساعة يا مولاي ويوم القيامة، قد غضب الرب وحقت علينا كلمته، ثم مضى يهذي كالسكران، واقتربت غيمة الدخان فما هالني إلا وريح خفيفة قد هبت فدكت ما أمامها دكاً، فإذا الأرض كالعهن المنفوش وإذا الجبال تسير الينا كأنها قطع الليل المظلم، ونظرت فإذا بنا جميعاً نطير إلى السماء وسط سحب الدخان فطرت معهم، وفجأة### جاء  الصوت:###           





